أبي منصور الماتريدي

235

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الخطاب يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير ، فحيث أضيف إليها فعل أهلها أنث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها . ثم الأصنام لا يتحقق منها الإضلال ، ولكن معنى الإضافة هاهنا هو أنها أنشئت على هيئة لو كانت تلك الهيئة ممن يضل لأضل ، وهو كما قلنا في تأويل قوله - عزّ وجل - : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الأنعام : 70 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا : فهذا يشبه أن يكون بعد ما بين له أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] ، فإذ علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى ، ولكن دعا الله تعالى ليزيد في إضلالهم ، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك ، والضلال : الهلاك ، قال الله تعالى : وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [ السجدة : 10 ] أي : هلكنا . وقوله - عزّ وجل - : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً ، فحرف « ما » هاهنا صلة في الكلام ، ومعناه : بخطيئاتهم ، أو من خطيئاتهم أغرقوا ، فأدخلوا نارا في الآخرة ؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسادهم وردت أرواحهم إلى النار . فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ، أي : لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من عبدوا من دون الله تعالى أنصارا من المعبودين ؛ لأنهم كانوا يعبدون من يعبدون من دون الله ليقربهم إلى الله ، ويكونوا لهم شفعاء وعزّا ، فلم يجدوا الأمر على ما قدروه عند أنفسهم . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . قيل : تأويله : لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار ، وإذا لم يبق منهم ساكن دار فقد بادوا « 1 » جميعا وهلكوا ، فكأنه يقول : لا تذر منهم أحدا . وقوله عزّ وجل : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ . هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام ؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على الله تعالى لو تركهم ولم يهلكهم ، وهذا يشبه بقول من قال : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] ، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير « 2 » لله تعالى : أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد ، وفيه تقدم بين يدي الله تعالى وذلك عظيم ؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال ؛ ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهم في

--> ( 1 ) في أ : ماتوا . ( 2 ) في أ : التكبر .